محمد أبو زهرة
1193
زهرة التفاسير
والقصة الثانية : قصة زكريا ، وكون اللّه سبحانه وتعالى قد وهب له يحيى ، مع أنه كان قد بلغ من الكبر عتيا ، وامرأته عاقر ، وبذلك خرقت العادة المعروفة ، وهو أن العاقر لا تلد قط ، وهذا قد أنجب وقد أصابته الشيخوخة ، وامرأته عاقر لا تلد . والقصة الثالثة : قصة ولادة السيد المسيح عليه السلام ، وقد كان ذلك أعظم خرق للعادات ، إذ ولد من غير أب ، وفي ذلك تتسلسل القصص الثلاث في خوارق تبتدئ بالخارق القريب من المعروف ثم بغير المعروف مطلقا ، ثم بالخارق الغريب الذي لم يعرف قط لغير عيسى بعد أن انتشر بنو آدم في الأرض . القصة الرابعة : قصة حياة عيسى ، التي اشتملت على خوارق كثيرة كانت في ذاتها أغرب من ولادته ؛ منها : إبراء الأكمه والأبرص ، وإحياء الموتى بإذن اللّه على يديه ، وهكذا غيرها . وقصص القرآن ليس المقصود منه مجرد السرد التاريخي ، كما يسجل التاريخ وتدون قصصه ، إنما قصص القرآن المقصود به أولا : العظة والاعتبار ، كما قال تعالى : لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ . . . ( 111 ) [ يوسف ] ، ثم ثانيا : إثبات صدق الرسول صلى اللّه عليه وسلم ؛ وذلك لأن هذا القصص الحق يتفق مع الصادق من كتب أهل الكتاب يجرى على لسان أمي لا يقرأ ولا يكتب ، ولم يجلس إلى معلم ، ولم تعرف ملازمته لأحد من أهل الكتاب حتى يطلعه على ذلك ، بل كان المنقطع في بلد أمي ليس به علم يدرس ، ولا فلسفة تبحث . ثم المقصود ثالثا : بيان وحدة الشرائع الإلهية السماوية ؛ لأنها جميعها تنبعث عن مصدر واحد ، وهو رب السماوات والأرض وما فيهما ؛ فبيان قصص النبيين السابقين وما كانوا يلقون في الدعوة إلى التوحيد دليل على أن التوحيد هو الوحدة الجامعة بين كل الشرائع ، وهو الحد الفاصل بين ما هو من السماء ، وما هو من إفك أهل الأرض . وفي بيان قصص النبيين تسلية للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، وتسرية عن شدائده بالاستبصار فيما لقيه غيره من عنت .